الشيخ السبحاني
167
بحوث في الملل والنحل
بميلاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من دون اقتراف المعاصي والمنكرات ، وأقاموا احتفالًا حاشداً يبهر العيون ويحير العقول ، فقام الخطباء فيه بإلقاء الكلم حول فضائله ومناقبه ، وما نزل في حقّه من الآيات والآثار ، وما ضحّى بنفسه ونفيسه في طريق هداية أُمّته ، وقام الشعراء بإنشاء القصائد الّتي تُستلهم من الكتاب والسنّة خالية عن الغلو والإفراط ، ثمّ قاموا بإطعام الإخوان والمحبين لرسول اللّه من مال اللّه الّذي جعل الناس فيه مستخلِفين ، . . . فلا شك أنّهم جسّدوا ذلك الأصل الرصين ( تكريم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه ) بعملهم المشرق ، كما أظهروا بذلك محبتهم وولاءهم لصاحب الرسالة . وعند ذلك كيف يمكن أن توصف تلكم الاحتفالات الباهرة بالبدعة ؟ أو ليست البدعة هي إدخال ما ليس من الدين في الدين ؟ وهل المسلمون أدخلوا في الدين ما ليس منه ؟ أو ليس تكريمه وتوقيره هو الأصل الرصين ؟ أوَ ليس الاحتفال الباهر تحقيقاً عملياً لذلك المبدأ عند جميع العقلاء ، فأين البدعة يا ترى ؟ أوَ ليس القرآن والسنّة ندبا المسلمين إلى حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل الحب يجب أن يبقى كامناً في مكامن النفس ، ولو تظاهر به الإنسان كان عاصياً ، أو أن المحبة والمودة لها مظاهر ومجالٍ ، وإظهار الفرح يوم ولادته والحزن يوم رحلته دليل على الحب الأصيل والمودة المكنونة في القلب . ولسنا ننكر أن لإظهار المودة وتوقيره طرقاً أُخرى ، منها التمسك بسنّته قولًا وعملًا وتعلماً وتعليماً وإيثاراً ، أو التأسّي بأخلاقه وآدابه ، ونشر سنته وأحاديثه ، إلى غير ذلك مما يمكن أن يكون مظاهر للحب ، - ولكن